![]() | |
| جزء من الاستقبال الحافل لوفد السويداء في بصرى الشام |
بالطبع لا فالمتربصون بوحدة هذا الشعب كثر وهم لا يفتأوون محاولين فصم عرى الجيرة عن قصد وسبق إصرار، مانعين هذا النوع من العواطف الإنسانية من التدفق خارج معرفتهم وحدود قوانينهم المخفية في جواريرهم خدمةً لضرورات أساسية لتحكمهم وتسلطهم يرونها هنا وهناك، كما يفعل المسيطرون والمستغلون عادة. ضف على ذلك أن الكثير من الناس في السويداء خصوصاً ما زالوا ينظرون للأحداث الدامية التي ما زالت تحصل منذ أربعة عشر شهر على أنها مؤامرة عظيمة ليس المقصود منها هو النظام السّوري وحسب ولكن مقصود منها وحدة الأرض السورية، ومشروع سرقة وخيانة للبلاد والعباد تحت إمرة الناتو وإشراف قطر والسّعودية وتركيا وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية. ولذلك نراهم لا يفتئون يزمجرون مدافعين عن هذا النظام بوجه كل من عاداه ظانين أنهم بذلك إنما يدفعون البلاء عن وطنهم سوريا الذي يعظمونه ويكرمونه ويهتمون حقاً لأمره كما تربوا دائماً. وعلى الطرف الآخر من النهر، نرى درعا وقد بلغت مبلغاً لا يمكن بعده الرّجوع ولا الاستسلام، ونرى الكثير من الناس فيها ينظرون إلى النظام ومن يعاونه ويقف معه كعدو حقيقي لسوريا خدمة لأجندات روسية إيرانية إسرائيلية أمريكية، فسوريا بلدهم هي البلد الذي يعظمونه ويكرمونه ويهتمون حقاً لأمره كما تربوا دائماً. أقول هذا لألفت النظر إلى مسألة في غاية الأهمية فالمعظلة الآن ليست بين وطني ولا وطني ولا بين كريم ولئيم ولا بين صادق ومتآمر ولا بين ثوري وحليف للنظام، ولا بين شجاع وقليل الشجاعة فكلنا نعلم مدى الشجاعة التي يتمتع بها أهل هذه المنطقة من جنوب سوريا سهلا وجبلا وكلنا نذكر القصص التي سطرها أجدادهم والشجاعة النادرة التي أبدوها في مقارعة الفرنسيين والعثمانيين من قبلهم، ولا أحد يستطيع أن ينكر كرامة وعزة نفس أبناء هذه المنطقة سهلا وجبلا. الفرق الجوهري هو الفرق بين إيديولجيتين سحبتا على الناس واكتسبتا أهمية لم يكن يجب أن تعطى في البدء وفي هذا ظلم كبير.
المعارض في درعا والمؤيد في السّويداء ليسا سوى شخصين من نفس البيئة الاجتماعية العزيزة النفس والكريمة الأخلاق والفقيرة الحال غالباً، والمنهكة، والتائقة إلى الحرية، وكلاهما كانتا مؤيدتان للنظام قبل اندلاع الأحداث الأخيرة وتقدم عوناً وسنداً للنظام كغيرهما من محافظات ومدن سوريا. ولكن الإيديولجية التي ساهمت في زرعها وسائل الإعلام هي ما جعلتهما مستعدين لكسب عداوة بعض والخوف من بعض والتي تحولت أخيراً للخوف، والعزلة، وما تطور إليه الوضع من اختطاف متبادل، وقتل في بعض الحالات.
![]() |
| جانب من الاحتفال والهتاف (يا سويدا حنا معاكي للموت) |
فعندما تم التجييش من قناة الدنيا والسّورية والاخبارية كان مقصوداً منه رصّ الصّفوف في وجه ما كان جليا أنه آت في قادم الأيام، وعندما تم التجييش من قناة الجزيرة والعربية خصوصاً كان مقصوداً منه رصّ الصّفوف في وجه ما كان جليا أنه آت في قادم الأيام!
هذا ليس غريبا ولا جديداً على عالم السياسة فهي طريقة الأنظمة وأعدائها في العمل وركوب الأمواج غير عابئين بهذه الشعوب التائقة للحرية والعيش الإنساني المنصف في كلا الجانبين. فمن وجهة نظر النظام كان التجييش ضروريا لاستلاب الجماهير وخلق مقاومة شعبية ضد التغيير، مهددة بالإرهاب التكفيري والطائفية والتقسيم والفتنة والمجازر (منذ الأيام الأولى للحراك في آذار 2011) وكان المقصود زرع الخوف وتصوير الحراك واختزاله في دولة قطر الطامحة إلى اكتساب بعض النفوذ والمملكة السّعودية التي تريد بيع بعض الأسلحة خدمة للعم سام وتركيا الراضخة تحت أحمال ووطأة الدرع الصاروخية الأمريكية على أراضيها وحكامها بالتزامن. محاولين بذلك وأعني قنوات النظام السوري تصوير الأمور وكأنها مؤامرة "كونية" على حد وصفهم على هذا النظام الوديع. لقد كان مقصوداً من خلال اسلوب مخاطبتها للمستمع "المرعوب بمنهجية" أن تحرف الأنظار عن قباحة النظام وفداحة تسلط أجهزته الأمنية وسخرية أن يكون الرئيس منتخباً للأبد في بلد يدّعى أنها جمهورية ويتبجح قائدها بأنه رئيس بلد الممانعة والمقاومة في حين كانت ترجمة هذا على أرض الواقع مزيداً من الممانعة والمقاومة والذبح ليحيلوا دون إعطاء الناس حقوقهم المشروعة في التعبير والتبديل والاستمرار والحياة شأنهم في هذا شأن أي مجتمع على وجه البسيطة. في دولة لم يستح أحد نواب برلمانها أن يقول صراحة لرئيسه (( قليلة عليك سوريا يا سيادة الرئيس، أنت يجب أن تحكم العالم))!! في حين كان أجدر بالبرلمان أن يتوقف عن التصفيق لدقيقة ويحاكم ويسمع ويرى الوضع الذي بدا واضحاً للعيان ولكل صحيح جنان أنه يشتد تأزماً يوماً بعد يوم.
أما تجييش الجزيرة والعربية ووصال ومن والاهم فهو تحريض طائفي مناطقي بشع، ويكثر فيه الكذب واللامصداقية، كان همهم بالإضافة إلى المحافظة على الحراك لأسباب سياسية بحتة (لا تتعلق أبداً بالناس وهموم الناس وتطور الناس ومزيد من الحريات) أن يتم تقسيم الناس وتعميق الهوة بين أطياف الشعب السوري الذي كان يعيش بتآخ قبل الأحداث ولكن ببوط عسكري على رأسه يثقل حركته ويشلّ وجوده وتعبيره. كان مقصوداً الذهاب إلى أبعد مدى وتفتيت بنية المجتمع السّوري كما حصل في العراق مسبقاً على أسس مذهبية ومناطقية وعرقية وإيديولوجية مستخدمين كلمات إكليشيهية "كشبيح" و"العصابة الأسدية" وهو ما سبقهم عليهم النظام عندما خاطب المعارضين بوصفهم مندسين وعراعير وأعداء البلد وأصدقاء الغرب الذي يمول تحركاتهم. والمقصود من هذا التقسيم وتعميق الخلاف هو عدم إتاحة الفرصة لأي مبادرة أو فكرة أن تنضج في ظروف موضوعية ليكتمل نموها الطبيعي، بل أتت لتفرض جواً خاصاً من الكره والحقد والخوف من العزلة وهو ما يبثّ عادة في المجتمعات ما قبل الحروب الأهلية كما حصل في إيران الخمسينات إبان ثورة الشاه، ولبنان السبعينات وعراق الألفين وأربعة وغيرهما.
هناك أكثر من طريقة لهزيمة دولة والسيطرة على مقدراتها. والشركات التي تدير هذه "الأسرة الدولية لا بارك الله فيها" على علم بهذا جيداً.
1 - فإما أن تفسد سياسييها فتتحكم بإقتصادها ومفاصل الحكم وصناعة القرار فيها من خلالهم كما حصل في بنما بعد عمر توريخوس وفي إيران بعد الثورة الكاذبة التي صنعها السي آي إي واستلم على إثرها الشاه، وفي جامايكا التي انتهى بها المطاف وهي تدفع أكثر من نصف ميزانيتها سداداً للديون التي فرضت عليها من البنك الدولي.
2 - وإما أن تذهب بجيوشك وطائراتك وتقصف وتحتل ذلك البلد كما حصل في العراق ليبيا كحل أخير لإنقاذ خطة بلد قوي للاستيلاء على مقدرات شعب ما وامتصاص خيراتهم، ضف على ذلك صفقات الأسلحة المربحة، وصفقات إعادة الإعمار وتحريك الشركات الكبرى وهذا أيضاً واضح جدأً في العراق (إكسون، هيلبرتون وغيرهما من الشركات العملاقة التي استفادت كثيرا من الحرب).
3 - وإما أن تستغل الأحداث وتنشر الخلافات مستغلا نقاط الضعف التي تجدها أوتصنعها، مثيرا القلاقل والجدل بين الناس والهدف الذي يتمحور حوله عملك هو تقسيمهم إلى مجموعات متناحرة. وذلك من خلال بثّ الكلمات الإكليشيهية الفضفاضة التي تضرب عميقاً في النفس الإنسانية وتضرب على أوتار الكرامة والأخلاق والعزة، وأعني كلمات على غرار "شبيح" و "مندس" و"وطني" و "خائن" في مواضيع تسيَّج بسيل من الكلمات والشعارات المتعلقة ب"الديمقراطية" و"الثورة" و"الحرية" مستخدماً هذه الكلمات الحقيقية والصادقة خدمة لمصلحة أكبر لا علاقة لها بالشارع ومطالب الشارع، ولكن بإيقاع الناس في فخ التقسيم. وهذا بالظبط ما حصل في لبنان السبعينات وعراق ما بعد الاحتلال وفي محاولة الإنقلاب التي دبرها دون أدنى شك عملاء الولايات المتحدة في فينزويلا عام 2001.
في الحالة الأخيرة لا تحتاج لتنشر جيوشك لأن الناس في الشوارع سيقومون بتنفيذ مهمتك بتكلفة أقل، اجعلهم ببساطة يقتلون بعضهم، ويحرقون بلدهم، لتأتي أنت في النهاية بعد أن يكون الكل قد أصبح خاسراً لتجد دولة مطواعة منهكة وتفتحها على الشركات الكبرى التي تغذي اقتصادات الدول الكبرى وشركاتها النهمة.
النقطة المهمة الآن هي في إسقاط كل هذا على الواقع السّوري وعلى السّلم الأهلي المقصود من وراء هذه الدراسة المصغّرة. فعندما يحوَّلُ الناس إلى مجرّد أدوات لتمرير أفكار وإيديولجيات وإكليشيهيات نكون قد ألحقنا بهم ضرراً خطيراً سيؤدي بالضرورة إلى شلل العملية الاجتماعية، وتقزيم الفرد الإنسان وتحجيم قدراته ليتحول إلى بوق غبي يردد ما لا يعي ويزداد الوهم في رأسه الصغير على ضفتي النهر.


